محمد متولي الشعراوي
8993
تفسير الشعراوي
ثم يقول تعالى : { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي } [ الكهف : 98 ] أي : الآخرة { جَعَلَهُ دَكَّآءَ } [ الكهف : 98 ] فإياكم أن تظنوا أن صلابة هذا السَّد ومتانته باقية خالدة ، إنما هذا عمل للدنيا فحسب ، فإذا أتى وَعْد الله بالآخرة والقيامة جعله الله دكاً وسوّاه بالأرض ، ذلك لكي لا يغترون به ولا يتمردون على غيرهم بعد أنْ كانوا مُستذلّين مُستضعفين ليأجوج ومأجوج . وكأنه يعطيهم رصيداً ومناعة تقيهم الطغيان بعد الاستغناء . { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } [ الكهف : 98 ] واقعاً لاشك فيه . والتحقيق الأخير في مسألة ذي القرنين وبناء السد أنه واقع بمكان يُسمَّى الآن ( بلخ ) والجبلان من جبال القوقاز ، وهما موجودان فعلاً ، وبينهما فَجْوة مبنيُّ فيها ، ويقولون : إن صاحب هذا البناء هو قورش ، وهذا المكان الآن بين بحر قزوين والبحر الأسود . ثم يقول الحق سبحانه : { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ } . فإذا كانت القيامة تركناهم يموج بعضهم في بعض ، كموج الماء لا تستطيع أن تفرق بعضهم من بعض ، كما أنك لا تستطيع فصل ذرات الماء في الأمواج ، يختلط فيهم الحابل بالنابل ، والقويّ بالضعيف ، والخائف بالمخيف ، فهم الآن في موقف القيامة ، وقد انتهت العداوات الدنيوية ، وشُغِل كل إنسان بنفسه . وقوله تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصور فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً } [ الكهف : 99 ] .